الصحفي ليس آلة.. ولا ينبغي أن يكون حرباء!

الصحفي ليس آلة… ولا ينبغي أن يكون حرباء

Author

  • منصة بحثية وتحليلية مستقلة، متخصصة في رصد أداء الإعلام العربي وتحليل سياساته ومحتواه، بهدف تعزيز الشفافية وكشف الحقائق للجمهور

للإعلام العربي “ميركاتو” أيضًا، ففي صيف هذا العام بدت حركة الوجوه بين الشاشات أشبه بموسم انتقالات اللاعبين بين الأندية، صحفيون يغادرون مؤسسات محلية إلى شاشات خليجية، ومؤسسات تستقطب خبرات وأسماء لإعادة ترتيب صفوفها، وفي هذا المشهد لا ينتقل الصحفي بخبرته وحدها، بل يحمل أرشيفًا من الأخبار والمواقف، وجمهورًا يتذكر ما قاله وما دافع عنه.

في كرة القدم يُنتظر من اللاعب أن يعمل لفوز ناديه الجديد، أما في الصحافة فالعلاقة أكثر تعقيدًا، إذ لا يفترض أن يصبح خصم المؤسسة الجديدة متهمًا قبل فحص الأدلة، ولا أن يصبح حليفها معفيًا من الأسئلة، ومن هنا يأتي السؤال الذي يجعل بعض الانتقالات مثيرة للجدل: هل تغيّر مكان عمل الصحفي، أم تغيّر معه معيار الحكم على الوقائع؟

الراتب الأفضل ليس تهمة

للصحفي إيجار يسدده، وأسرة يعولها، وطموح لا يقل مشروعية عن طموح أي صاحب مهنة، وليس عليه أن ينتظر البطالة حتى يحق له قبول راتب أفضل أو فرصة أوسع، كما لا توجد فضيلة مهنية في بقائه داخل مؤسسة تستنزفه أو تعجز عن توفير شروط عمل لائقة.

ويقر الميثاق العالمي لأخلاقيات الصحفيين، الذي أقره الاتحاد الدولي للصحفيين عام 2019، بأن الاستقلال يحتاج إلى الوقت والموارد ووسائل الممارسة، لكنه يضع مسؤولية الصحفي تجاه الجمهور قبل مسؤوليته تجاه صاحب العمل والسلطات، والمعنى أن المؤسسة تدفع مقابل عمله وخبرته، من دون أن يصبح رضاها وحده مقياسًا لصحة ما ينشر.

متى يكون الصحفي حرباء

يتعلم الصحفي في المؤسسة الجديدة أسلوبًا مختلفًا للكتابة، وقد يتغير إيقاع عمله أو تخصصه أو جمهوره، وهذا تكيف مهني طبيعي، وقد يراجع رأيًا قديمًا لأن معلومات جديدة غيّرت فهمه، والمراجعة هنا علامة تعلم، ولا يصح أن نطالبه بالدفاع عن خطأ حتى يبدو ثابتًا على موقفه.

يبدأ التلون حين يتبدل معيار التحقق تبعًا للجهة التي تتناولها التغطية، كأن يدقق الصحفي في كل اتهام يطال حليفًا للمؤسسة، ثم يكتفي برواية ضعيفة عندما يكون المتهم خصمًا لها، أو يطالب بحق الرد لطرف ويحرمه من طرف آخر، هنا يصبح تشبيه “الحرباء” وصفًا لسلوك مهني يمكن فحصه، لا حكمًا على شخص لمجرد أنه غيّر وظيفته.

وتقدم مدونة جمعية الصحفيين المحترفين معيارًا واضحًا لهذا الاختبار، إذ تدعو إلى مقاومة الضغوط الداخلية والخارجية للتأثير في التغطية، وترفض المعاملة التفضيلية للمعلنين والمانحين وأصحاب المصالح، فإذا كانت الصلة المالية لا تمنح الممول امتيازًا في الخبر، فإن القرب السياسي لا يكفي بدوره لمنح حليف المؤسسة حماية من الأسئلة.

ضع تغطية الأمس بجوار تغطية اليوم

لهذا يستحق الأرشيف أن يُفتح قبل إصدار الأحكام، ماذا كتب الصحفي عن القضية نفسها بالأمس؟ ما الذي يقوله اليوم؟ وإذا اختلفت روايته، فهل يستطيع تحديد الوقائع التي غيّرت تقديره؟ وقد يتبين أن تغطيته القديمة كانت أدق من الجديدة، أو أن الجديدة صححت قصورًا سابقًا، وفي الحالتين تكون المقارنة بداية للفهم.

ولا تُجرى هذه المقارنة بمقتطفين منتزعين من سياقهما، فالسؤال الذي يوجهه المذيع إلى ضيف ليس بالضرورة رأيه، والعنوان قد يضعه محرر آخر، والوقائع قد تتغير، الأهم هو تتبع نمط العمل: ما الأدلة التي قُبلت، وما المعلومات التي حُذفت، ومن مُنح فرصة الرد، وكيف عولج الخطأ عندما ظهر.

وفي المادة السادسة من ميثاق الاتحاد الدولي، يلتزم الصحفي ببذل أقصى جهده لتصحيح المعلومات التي ثبت خطؤها بسرعة ووضوح، انتقاله إلى مؤسسة أخرى لا يغلق هذا الالتزام، كما أن الاعتراف بخطأ سابق يمنح الجمهور أساسًا أوضح للثقة من تجاهل التناقض أو التصرف كأن الأرشيف يخص شخصًا آخر.

وفي إعلامنا العربي نماذج تجعل سؤال “الحرباء” حاضرًا، فخلال الأزمة الخليجية مع قطر عام 2017، ظهر تقرير لصحفي يردد اتهامات كانت تُوجَّه إلى الدوحة، ثم انتقل الزميل، الذي كتب هذا التقرير قبل انتهاء الأزمة والمصالحة بين أطرافها، إلى مؤسسة قطرية، ليقدم تغطية تناقض ما كان يقدمه في مؤسسته السابقة، وهنا يستحق التناقض أن يُناقش، لا الانتقال في حد ذاته: ما الذي غيّر تقديره؟ هل ظهرت وقائع جديدة دفعته إلى مراجعة روايته السابقة؟ وإذا اكتشف أنه كان يردد اتهامات غير مسندة، فهل صححها وشرح لجمهوره موضع الخطأ، أم تبدلت الرواية بتبدل الجهة التي يعمل لديها؟

الترس ومن يدير الماكينة

تبدو عبارة “أنا مجرد ترس” مفهومة داخل غرفة أخبار لا يملك فيها المحرر اختيار الموضوع أو العنوان أو الضيوف، وقد يتعلم حدود المسموح من مادة أعادها مديره، أو سؤال حُذف، أو زميل عوقب، من دون أن تصله لائحة مكتوبة، وهذه آليات درستها أبحاث غرف الأخبار منذ دراسة وارن بريد عن الضبط الاجتماعي في غرفة الأخبار عام 1955.

لكن الصحفي لا يفقد قدرته على الحكم لمجرد أنه موظف، وضيق سلطته لا يجعل جميع الأفعال متساوية، فالعجز عن نشر حقيقة يختلف عن اختلاق رواية تنفيها، والمحرر الذي أضيف إلى مادته اتهام دون علمه ليس في موقع من اقترح الاتهام وهو يعرف أنه بلا دليل، وتقدير المسؤولية يحتاج إلى معرفة ما عرفه الصحفي، وما استطاع تغييره، وحجم التهديد والبدائل المتاحة له فعلًا.

وتتسع المسؤولية عند من يوزع الأدوار داخل الماكينة، فرئيس التحرير يُسأل عن العنوان الذي اعتمده، والحملة التي وجّه بها، والمعلومة التي استبعدها، وعن حمايته لمحرر اعترض أو معاقبته له، وقد يكون المدير نفسه مقيدًا بسلطة أعلى، لكن موقعه يقتضي فحص القرارات التي اتخذها داخل المساحة التي يملكها.

القيادات وأكروبات الانتقال

حين يتنقل مدير بين مؤسسات متعارضة مهنيًا وسياسيًا، محتفظًا في كل مرة بمقعد القيادة، يبدو المشهد أقرب إلى أكروبات السيرك، تتبدل المنصات والاتجاهات، ويبقى قادرًا على الهبوط في موقع من يوجه الآخرين، لكن ما يثير الإعجاب في السيرك يثير أسئلة في الصحافة: كيف نثق بما أشرف على تقديمه بالأمس، وبما سيقود تقديمه غدًا؟

لا تثبت هذه القفزات وحدها إخلالًا مهنيًا، لكنها تستدعي تفسيرًا يتجاوز الحديث عن فرصة عمل جديدة، فالمدير الذي يضع قواعد التغطية يُسأل عن المعايير التي فرضها على زملائه: هل لا يزال يدافع عنها؟ وإذا كان اختلاف المؤسستين يشمل طريقة التحقق واختيار المصادر وعرض الوقائع، فأي قواعد سيحمل معه، وأيها سيراجع، وعلى أي أساس؟

وإذا كان قد قاد تغطية ثبت أنها مضللة، فلا يعالج الانتقال هذه المشكلة بمجرده، المطلوب مراجعة وتصحيح بقدر ما يمكنه، أما إذا كانت تغطيته السابقة مسندة وأمينة، فلا تصبح خاطئة لأنه يعمل الآن لدى مؤسسة تنتقدها، اختلاف السياسات لا يبطل الوقائع، كما أن مصالحة الممولين لا تصحح خبرًا كاذبًا نُشر زمن الخصومة.

وتُسأل المؤسسة المستقبلة أيضًا عن المعايير التي سيعمل وفقها مديرها الجديد، وآليات الاعتراض على قراراته وتصحيح أخطائه، وتفيد هنا مبادئ الثقة في رويترز التي تجعل صون الاستقلال والنزاهة والتحرر من الانحياز التزامًا مؤسسيًا، فالثقة لا تُبنى على اسم المدير وحده، وإنما على قواعد تحكم قراراته وتتيح مساءلته [5].

هل يستطيع الصحفي أن يقول لا

تنص المادة 15 من ميثاق الاتحاد الدولي على عدم إجبار الصحفي على عمل مهني أو رأي يخالف قناعته المهنية أو ضميره، وهذا لا يعني أن كل اختلاف مع المدير نزاع أخلاقي، لكنه يصبح كذلك عندما يتعلق بتلفيق واقعة أو تحريف معلومة أو تقديم رأي مفروض باعتباره قناعة شخصية [2].

وقد تصل المواجهة إلى الاستقالة، كما روت كاتبة عمود غادرت “واشنطن بوست” في مارس 2025، بعدما رفضت الإدارة نشر مقال تعترض فيه على التوجه الجديد لقسم الرأي، وقالت في شهادتها إن حرية الكتّاب تراجعت، ونقلت أن الإدارة رأت مقالها متعجلًا في تقدير آثار التغيير، كانت تلك طريقتها في رسم حد للخلاف، وليست وصفة ملزمة لكل صحفي.

فالرفض قد يبدأ بطلب دليل، أو اقتراح صياغة أمينة، أو اعتراض داخلي، أو طلب رفع الاسم عن مادة حُرّف معناها، ولا يصح قياس النزاهة بعلنية المواجهة وحدها، خصوصًا حين يهدد الاعتراض الأمان أو الإقامة أو فرص العمل، كما يحتاج الصحفي إلى أن يسأل نفسه دوريًا إن كان يحاول تقليل الضرر، أم اعتاد المشاركة فيه حتى توقف عن مراجعته.

شرط الضمير من باريس إلى القاهرة

في فرنسا، يعترف قانون العمل بأن لتغير توجه الصحيفة كلفة مهنية وشخصية، ويتيح “شرط الضمير” في المادة L7112-5 للصحفي المهني مغادرة الصحيفة أو الدورية مع استحقاق التعويضات المقررة، إذا وقع تغير ملحوظ في طابعها أو توجهها يمس شرفه أو سمعته أو مصالحه المعنوية، وفق شروط النص.

وفي مصر، تلزم المادة 13 من قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018 المؤسسة بإدراج سياستها التحريرية في العقود، وتتيح فسخ التعاقد عند تغيرها جذريًا أو تغير ظروف التعاقد، بشرط إخطار المؤسسة قبل ترك العمل بثلاثة أشهر على الأقل، لكنها تترك آثار الفسخ للعقد، ولا تحدد بذاتها تعويضًا مماثلًا للنص الفرنسي [8].

يبقى السؤال: إلى أين يذهب الصحفي بعد ذلك؟ تصف “مراسلون بلا حدود” سيطرة واسعة للدولة وأجهزة الاستخبارات ورجال أعمال خاضعين لنفوذ السلطة على الإعلام المصري، وفي بيئة يمتد فيها النفوذ إلى مؤسسات متعددة، قد لا يعني تبديل مكان العمل تغيير حدود المسموح، لذلك تحتاج حماية الضمير إلى جهة مستقلة تفصل في النزاع، وحقوق قابلة للتحصيل، وسند نقابي ومادي، وفرص عمل متعددة فعلًا.

ما الذي يبقى بعد توقيع العقد

قبل التوقيع، يحتاج الصحفي إلى معرفة من سيعدل مادته، وما حدود دوره، وكيف يستطيع الاعتراض والتصحيح، وبعده يحتاج إلى العودة إلى إنتاجه ليسأل إن كان لا يزال يقبل من الأدلة ما كان يقبله، ويرفض من التجاوزات ما كان يرفضه، فحقه في الرزق لا يسقط، ومسؤوليته عن عمله لا تسقط أيضًا.

قد ينتهي موسم الانتقالات عند توقيع العقود، لكن اختبار الصحفي يستمر مع كل خبر يحرره في مكانه الجديد: هل يستطيع أن يسأل حلفاء المؤسسة بالجدية نفسها التي يسأل بها خصومها؟ وهل يستطيع أن يشرح للجمهور لماذا تغيّر رأيه، إذا تغيّر، من دون أن يكون اسم المؤسسة هو التفسير الوحيد؟

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي