الكاتب في مصيدة الترند… أمر واقع أم اختيار؟!

الكاتب في مصيدة الترند… أمر واقع أم اختيار؟!

Author

  • هبة الحوراني

    كاتبة وصحفية مستقلة ومراسلة إعلامية، ناشطة في كتابة المقالات التحليلية والاجتماعية

يشهد الوسط الثقافي عامة والإعلامي بشكل خاص تحولات كبيرة في التعاطي مع فحوى النصوص والأفكار، فلم تعد قيمة الفكرة تُقاس بمدى عمقها، بل باتت مرهونة بمدى حصولها على تفاعل سريع وتحقيق التريند، لذلك كثيرًا ما نجد نصوصًا أو أفكارًا سطحية وسخيفة منتشرة على نطاق واسع جدًا

هذه التحولات القاسية وضعت الكاتب أمام معضلة وجودية صعبة، فإما أن يمشي مع التيار ويُقزّم أفكاره ويفرغ نصه من الروح ويجعله يتناسب مع ميزان الاستهلاك السريع، أو أن يختار هويته وبصمته الخاصة المستقلة، دافعًا ثمن ذلك تراجعَ الحضور وسط الصخب الرقمي

إن الخضوع للترند والجري خلف الأرقام ليس خيارًا تقنيًا عابرًا، بقدر ما هو “استيلاء ناعم“ على حرية التعبير وتقييد للفكر، فالمنصات الرقمية اليوم لا تُسهّل تداول المحتوى فقط، بل أصبحت تُنظّم المزاج العام وتُطالب الكاتب بأن يتحول تدريجيًا إلى “صانع محتوى“ خالٍ من الروح، يختصر القضايا الإنسانية العميقة في عناوين لامعة وأسطر مستهلكة؛ هذه السطحية قتلت الدهشة في النصوص الأدبية والصحفية، وحوّلت القارئ من مُتلقٍّ باحث عن المعنى إلى مستهلك تغريه الإثارات العابرة ويبتعد عن العمق الفكري الذي هو جوهر النصوص ومبتغاها

والذي زاد المشهد سخرية أن هذا الإكراه الرقمي لم يواجه مقاومة كافية، بل صادر في طريقه الأقلام التي كانت تُعتبر حصنًا للدفاع عن الكلمة الحرة وابتلعها عن بكرة أبيها، وبات الضغط لإنتاج محتوى يومي يحافظ على رضا الخوارزميات يستهلك طاقة الكاتب ويفرغه من الهوية الوجودية، فتصبح الكتابة أشبه بواجب مقيت خالٍ من الروح أو أشبه بعملية صناعية متكررة، يفقد فيها النص اللحظات السحرية التي تولد من حاجة حقيقية للبوح أو للاحتجاج أو حتى طرح أسئلة، فيغيب الصدق الداخلي ويتحول الكاتب من صدى لصوت الوعي والضمير إلى ببغاء مُكرِّر لأصوات غريبة لا تُدرك المعنى

ولكن رغم كل ما سبق، يبقى “التمرد والوعي“ اللذان يحتفظ بهما الكاتب هما الرهان الوحيد لمقاومة المصيدة بأشكالها المختلفة، فالأصوات التي صنعت التغيير عبر العصور لم تتبع القطيع وتجرِ خلف الصدى المؤقت، بل كانت أصواتًا تجرأت على السباحة عكس التيار وقاومت وعورة الطريق

حماية صوت الكاتب والحفاظ عليه لا تتطلب مقاطعة التكنولوجيا أو الهروب وكسر الأقلام، بل تتطلب إيمانًا بأن النص النابع من تجارب إنسانية خالصة يملك طاقة خفية لا تخضع لقانون الخوارزميات، وله قدرة لطيفة على اختراق الجدران والوصول إلى القارئ الحقيقي ولو بعد حين

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي