قبل الحرب، كانت شروق مقداد تكتب محتوى لثلاث شركات في وقت واحد، وتتلقى، كما تقول، عشرات طلبات العملاء يوميًا، ويمنحها عملها دخلًا شهريًا يتراوح بين 400 و500 دولار، مبلغًا ساعدها على تدبير حياتها في قطاع ضاقت فيه فرص العمل.
اليوم، تستخدم كاتبة المحتوى حسابها على “لينكدإن” للبحث عمّن يحتاج إلى مهارتها، تكتب عن غياب العملاء، وإيجار الأرض التي تقيم عليها خيمة عائلتها، ورسوم دراسة أخواتها، وحاسوب تعطّل فيما تعتمد على العمل لمساعدتهن.
تستهل منشورها بعبارة غاضبة: “ممنوع ومرفوض التعامل مع فريلانسر غزة!”، ثم تسأل: “للأسف هذا الواقع فكيف نعيش؟”
وتربط شروق انقطاع فرص العمل بوجودها في غزة، لكنها تستدرك في المنشور نفسه: “ولست أدري السبب الحقيقي”، وبين شعورها بأن عنوانها يغلق الأبواب، وعدم معرفتها بما يدفع العملاء إلى الابتعاد، تواصل البحث عن فرصة.
إيجار الأرض وثمن العودة إلى العمل
تسرد شروق التزامات العائلة كما تعيشها: 350 دولارًا شهريًا لإيجار أرض الخيمة، و500 دولار شهريًا رسومًا جامعية لأخواتها الأربع، إلى جانب الحطب والطعام والمياه، التي تذكر لها مبلغ 100 دولار تحت بند مصاريف الحياة اليومية، من دون توضيح الفترة التي يغطيها.
ثم تصل إلى ما يعطّل قدرتها على مواجهة هذه النفقات: حاسوبها المحمول لا يعمل، ويحتاج، بحسب منشورها، إلى بطاريات يبلغ ثمنها 500 دولار، أي ما يعادل شهرًا كاملًا من دخلها في أفضل أحواله قبل الحرب.
في حسابها المهني، تعرّف شروق نفسها بأنها كاتبة محتوى للمدونات والمقالات، لكن المنشور الذي تعرض فيه حاجتها إلى العمل يحمل تفاصيل لا تظهر عادة في الملفات المهنية: أين تنام الأسرة، وكم تدفع لتبقى في مكانها، وكيف تحاول الأخوات مواصلة الدراسة.
تكتب: “أرغب في الحصول على فرصة عمل أو عملاء جدد، أريد أن أساعد عائلتي في مصاريف الحياة اليومية”، وتطلب أيضًا مساهمة لإصلاح الجهاز، حتى تستعيد وسيلتها إلى الكسب.
العمل من مكان لا يصلح للعمل
لا تقدم شروق نفسها بوصفها مراسلة ميدانية، ولا تتطابق تجربتها مع تجارب الصحفيين الذين يغطون الحرب، لكن قصتها تلتقي معهم عند شروط العمل الأساسية: جهاز صالح، وكهرباء، واتصال بالإنترنت، وجهة تطلب العمل وتدفع مقابله.
وبالنسبة إلى صحفيين كثيرين في غزة، تضررت هذه الشروط مع فقدان المنزل ومكان العمل، ففي تقرير صدر في 28 يونيو 2026، قدّرت لجنة الحريات التابعة لنقابة الصحفيين الفلسطينيين أن التشرد بات واقعًا يعيشه ما بين 60 و75% من الصحفيين الأحياء في القطاع منذ أكتوبر 2023، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الفلسطينية “وفا”.
ووثّقت “مراسلون بلا حدود” عمل صحفيين من خيام ومساكن متضررة، وسط نقص المعدات وارتفاع كلفة الكهرباء والإنترنت، إلى جانب تراجع التكليفات الصحفية وعدم استقرار العقود بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025.
وقالت الصحفية نور سويركي للمنظمة إن ظهورها المباشر، الذي كان يتكرر 6 أو 7 مرات يوميًا، انخفض إلى مرة أو مرتين، واختصرت شعورها بقولها: “في 2026، لم نعد القصة الرئيسية”.
تراجع التغطية لم يعنِ انتهاء الخطر، ففي 21 يناير 2026، قُتل الصحفيون المستقلون محمد صلاح قشطة وأنس غنيم وعبد الرؤوف شعث في ضربة إسرائيلية أثناء عملهم في منطقة الزهراء، جنوب مدينة غزة، بحسب المنظمة.
وحتى 24 سبتمبر 2026، كانت لجنة حماية الصحفيين قد وثّقت مقتل 189 صحفيًا وعاملًا إعلاميًا فلسطينيًا بنيران إسرائيلية في غزة، وفق حصيلتها المنشورة لذلك التاريخ.
حين يصعب الوصول إلى الأجر
لا يثبت منشور شروق وجود قرار عام بمقاطعة المستقلين من غزة، ولا يتيح تحديد أسباب غياب عملائها، لكن صعوبة إنجاز العمل وتسلّم أجره موثقة في تجارب أخرى داخل القطاع.
ففي تقرير نشرته “أسوشيتد برس” في مايو 2026، رصدت الوكالة عوائق مالية تواجه العاملين عن بُعد، منها تعذر الوصول إلى البنوك وعدم إتاحة “باي بال” لأصحاب العناوين الفلسطينية، ما يدفع بعضهم إلى استقبال الأموال عبر أقارب في الخارج أو وسطاء يقتطعون عمولات مرتفعة، بينما توفر مساحات العمل المشتركة مكانًا لشحن الأجهزة والاتصال بالإنترنت.
هذه العوائق لا تفسر وحدها تجربة شروق، لكنها تكشف ما قد يفصل بين امتلاك المهارة والقدرة على العيش منها، فالعثور على عميل لا يكفي إذا تعطل الجهاز، وإنجاز المهمة لا ينهي المشقة إذا تعذر الوصول إلى أجرها.
في نهاية منشورها، تترك شروق وسيلة للتواصل وتطلب مشاركته حتى يصل إلى من يستطيع المساعدة، لا تعرف إن كانت الرسالة التالية ستحمل عرض عمل، لكنها تحدد بوضوح ما تحتاجه: عملاء جدد، وحاسوب يعود إلى العمل، ودخل تساعد به عائلتها.
كان مبلغ 500 دولار يمثل الحد الأعلى لما تكسبه في شهر، والآن تقول إنها تحتاج إلى المبلغ نفسه لإصلاح الأداة التي كانت تكسب بها.

