قد تنشر منصة صحفية تفنيدًا دقيقًا لشائعة، لكنه لا يصل إلى الأشخاص الذين صدقوها، وقد ينشغل فريق التحقق بتصريحات الشخصيات الأكثر ظهورًا، بينما تتسع دائرة تأثير أصوات لا يتابعها. هاتان المشكلتان تبرزان في تجارب خمس مؤسسات أوروبية للتحقق، وتطرحان سؤالًا عمليًا أمام غرف الأخبار العربية: كيف تختار ما تتحقق منه، وكيف تضمن وصول عملها إلى الجمهور المعني؟
تستعرض دراسة نشرها معهد رويترز لدراسة الصحافة خبرات مؤسسات من رومانيا وبلغاريا والتشيك ومولدوفا والمجر في تغطية الانتخابات، وتقدم مداخل للعمل تتجاوز تصحيح الأخبار بعد انتشارها، من إعداد الشروح الاستباقية إلى التعاون مع أشخاص يحظون بثقة مجتمعاتهم.
وتستند الدراسة إلى مقابلات وخبرات مهنية، بينها تجربة المؤسسة التي تعمل بها، ولا تختبر هذه الأساليب في بلدان عربية أو تقيس قدرتها على تغيير سلوك الناخبين، لكن عددًا من الأسئلة التي تطرحها يصلح لتطوير التغطية العربية للانتخابات وغيرها من القضايا العامة.
اشرح القضية قبل أن تصبح مادة للتضليل
في التشيك، توقع فريق “ديماغوغ” أن يثير إدخال التصويت البريدي أسئلة وادعاءات مضللة، فأعد مواد تشرح آليته قبل انتشار تلك الادعاءات، واتخذت مؤسسة “لاكموس” المجرية نهجًا مشابهًا في شرح استطلاعات الرأي وإجراءات الانتخابات وبرامج الأحزاب.
يمكن لغرفة أخبار عربية تكييف هذا الأسلوب مع القضايا التي تتابعها، فقبل بدء انتخابات، تستطيع شرح شروط التصويت واحتساب النتائج وصلاحيات المنصب المتنافس عليه، وفي التغطية الاقتصادية، يمكنها توضيح الفرق بين انخفاض التضخم وانخفاض الأسعار، حتى يمتلك الجمهور أساسًا لفحص التصريحات اللاحقة.
هذه أمثلة تطبيقية مستمدة من فكرة التحقق الاستباقي، وليست نتائج اختبرتها المادة، وجوهرها أن يعرف القارئ كيف تعمل المسألة قبل أن تصله رواية مضللة عنها.
وتشمل الاستعدادات أيضًا مراجعة أولويات الرصد، إذ أقر صحفي من “فاكتوال” الروماني بأن فريقه لم يمنح أحد المرشحين اهتمامًا كافيًا لأنه بدا محدود الشعبية، قبل أن يتصدر الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية عام 2024، وهي تجربة تنبه إلى أن قلة الحضور في وسائل الإعلام التي يتابعها الصحفي لا تكفي للحكم على حجم التأثير.
لا يكفي أن يكون التصحيح منشورًا
جرّبت المؤسسات الأوروبية فيديوهات قصيرة ومواد بصرية وتغطيات تحقق أثناء المناظرات، وتقول الكاتبة إن مقاطع مدتها دقيقة أنتجتها “لاكموس” وصلت إلى جمهور أكبر من مقالاتها، بينما استفادت فيديوهات “ديماغوغ” من تعاون مع “تيك توك” شمل إبرازها والترويج لها إعلانيًا.
بالنسبة إلى منصة عربية، يفتح ذلك سؤالًا عن الشكل الأنسب لكل قصة وجمهور، فقد يحتاج ادعاء رقمي إلى رسم بسيط يوضح المقارنة، بينما تحتاج صورة متداولة إلى شرح بصري يكشف مصدرها وسياقها، وقد يكون الفيديو القصير مدخلًا إلى تحقيق أطول يضم الأدلة كاملة.
لكن اختصار المادة لا ينبغي أن يحذف القيد الذي يغير معناها، مثل كون الرقم تقديريًا أو الصورة قديمة أو الدليل غير حاسم، كما أن ارتفاع المشاهدات يثبت اتساع الوصول، ولا يثبت وحده اقتناع الجمهور بالتصحيح.
وتقدم تجربة مولدوفا مدخلًا آخر للتوزيع، إذ تعاونت “ستوب فالس” مع وسائل إعلام وصنّاع محتوى، ومع أشخاص موثوقين محليًا مثل العاملين الاجتماعيين وسعاة البريد، ويمكن الاستفادة من الفكرة عربيًا عبر شراكات ملائمة لكل مجتمع، مع بقاء مسؤولية التحقق والتحرير واضحة لدى المؤسسة الصحفية.
استمع إلى ما يصل للجمهور ولا تكتفِ بما يظهر أمامك
أتاح مشروع في بلغاريا لكبار السن إرسال منشورات يريدون التحقق منها، فأصبح وسيلة لمساعدتهم وفهم ما يتعرضون له في الوقت نفسه، فالصحفي لا يرى بالضرورة المحتوى الذي تعرضه المنصات لفئات أخرى.
ويمكن لغرف الأخبار العربية ترجمة هذه الفكرة إلى قنوات لتلقي أسئلة القراء والمواد المشكوك فيها، ثم الاستفادة منها في تحديد أولويات التغطية، بدلًا من افتراض أن الموضوعات الرائجة بين الصحفيين هي نفسها الأكثر التباسًا لدى الجمهور.
كما جمعت تجربة في شمال مولدوفا شبابًا وكبار سن في تدريبات وأنشطة مشتركة للتفكير النقدي، وتطرح هذه التجربة بديلًا عن التعامل مع الجمهور بوصفه متلقيًا للتصحيح فقط، إذ يمكن إشراكه في تعلم أسئلة بسيطة: من نشر المعلومة؟ وما دليله؟ وهل يطابق العنوان ما يقوله المصدر؟
ولا تقدم المادة بيانات تكفي لترتيب الفئات العمرية بحسب قابليتها للتضليل في العالم العربي، ولذلك تظل معرفة احتياجات كل جمهور مهمة تسبق تصميم التدريب أو اختيار وسيلة الوصول إليه.
افصل اتجاه الرسالة عن هوية من يديرها
من أكثر الدروس أهمية في المادة التمييز بين المحتوى المؤيد لطرف سياسي وإثبات أن ذلك الطرف يقف وراءه، ففي التشيك رُصدت حسابات وهمية تنشر رسائل مؤيدة لروسيا، لكن فريق التحقق قال إنه لم يجد دليلًا على إدارتها من روسيا أو بواسطتها.
وهذا تمييز ضروري عند تغطية حملات التأثير في السياق العربي أيضًا، فانسجام منشورات مع موقف دولة أو حزب لا يكفي وحده لنسب تمويلها أو إدارتها إليه، وينبغي أن يوضح التقرير ما يثبته الرصد فعلًا: تشابه الرسائل، أم تنسيق النشر، أم وجود صلة موثقة بالجهة المستفيدة؟
وتشير التجارب كذلك إلى ضرورة عدم إغفال التضليل المحلي أثناء التركيز على التدخل الخارجي، فقد عرضت المادة حالات كان فيها انتشار محتوى نشرته جهات محلية أوسع من انتشار حملات نُسبت إلى مجموعات روسية.
اجعل طريقة عملك قابلة للفحص
واجهت المؤسسات الخمس مضايقات واتهامات بالانحياز والرقابة، وتوضح المادة أن بعض الفرق ترصد مخالفات وتبلغ المنصات بها، بينما تتخذ المنصات قراراتها بعد المراجعة، ولا تتطابق هاتان المهمتان.
وبالنسبة إلى منصات التحقق العربية، يمكن أن تكون شفافية المنهج جزءًا من الاستجابة لهذه الاتهامات: لماذا اختير هذا الادعاء؟ وما المصادر المستخدمة؟ وما الذي بقي غير محسوم؟ وهل صُححت المادة إذا ظهر خطأ؟
وتبقى الاستفادة من التجارب الأوروبية مرتبطة بهذه الأسئلة العملية، وباختبار ما يناسب الجمهور المحلي، فالمطلوب ليس تكرار الصيغ نفسها، وإنما معرفة ما إذا كانت تساعد الناس على فهم الأدلة والوصول إلى تصحيح كان سيظل بعيدًا عنهم.

