كشف تقرير لهيئة تنظيم الاتصالات البريطانية “أوفكوم”، نُشر الجمعة 16 أكتوبر 2026، عن مخاوف من تأثير محتمل للحكومة الإماراتية في السياسة التحريرية لصحيفتي “ديلي تلغراف” و”صنداي تلغراف”، في حال اكتمال استحواذ تحالف “ريدبيرد آي إم آي” (RedBird IMI) عليهما، معتبرًا أن الصفقة كان من الممكن أن تتعارض مع المصلحة العامة البريطانية، ولا سيما ما يتعلق بدقة الأخبار وحرية التعبير عن الرأي.
ولم تقتصر مراجعة الهيئة البريطانية على هيكل ملكية التحالف وعلاقاته بالحكومة الإماراتية، بل امتدت إلى فحص سجل مؤسسات إعلامية مرتبطة بالمستثمر الإماراتي، بينها “سكاي نيوز عربية” وصحيفة “الرؤية” وصحيفة “ذا ناشونال”، مستعرضة اتهامات سابقة بالتدخل في القرارات التحريرية وتقييد نشر بعض الأخبار، إلى جانب الردود التي قدمتها مجموعة الاستثمارات الإعلامية الدولية الإماراتية (IMI) على تلك الاتهامات.
وجاء نشر التقرير، المؤلف من 90 صفحة، بعد أكثر من عامين ونصف العام على إعداده وتقديمه للحكومة البريطانية في مارس 2024، ضمن تحقيق أولي بشأن استحواذ التحالف المدعوم من أبوظبي على مجموعة “التلغراف” الإعلامية، قبل تعثر الصفقة في العام نفسه.
مخاوف من النفوذ السياسي
استندت أوفكوم في تقييمها إلى العلاقات الوثيقة بين مجموعة IMI ومؤسسات الحكم في الإمارات، موضحة أن ملكية المجموعة تعود إلى الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس دولة الإمارات، فيما يرأسها سلطان أحمد الجابر، الذي يتولى مناصب حكومية واقتصادية بارزة، وسبق أن ترأس المجلس الوطني للإعلام، المسؤول سابقًا عن تنظيم القطاع الإعلامي في الإمارات.
واعتبرت الهيئة أن هذه العلاقات، إلى جانب سجل الدولة الإماراتية في التعامل مع حرية الصحافة والتعبير، قد تخلق دوافع سياسية واقتصادية للتأثير في توجهات “التلغراف” إذا انتقلت ملكيتها إلى التحالف.
وشمل تقييم الهيئة احتمال التأثير في اختيار الأخبار المنشورة، وطريقة تناول الموضوعات المتعلقة بالإمارات، ومدى قدرة الصحفيين ورؤساء التحرير على العمل باستقلالية، خاصة في القضايا التي قد تتعارض مع المصالح السياسية أو الاقتصادية للمستثمر.
وخلصت أوفكوم، في القسم الثامن من التقرير، إلى أن الصفقة قد تعمل ضد المصلحة العامة البريطانية من زاويتين أساسيتين، هما ضمان تقديم الأخبار بدقة، وحماية حرية التعبير عن الرأي في الصحف.
ومع ذلك، فإن التقرير لا يثبت وقوع تدخل فعلي من المجموعة الإماراتية في السياسة التحريرية لـ”التلغراف”، وإنما يقيّم المخاطر المحتملة التي كان يمكن أن تنشأ عن انتقال ملكية الصحيفتين إليها.
سكاي نيوز عربية: خاشقجي وقطر وفصل صحفي
خصص التقرير جزءًا من مراجعته لمؤسسة “سكاي نيوز عربية”، التي كانت عند إعداد التحقيق مشروعًا مشتركًا بين مجموعة IMI ومجموعة سكاي البريطانية، واستعرض ثلاث قضايا سبق أن أثارت اتهامات بشأن دقة التغطية والحرية التحريرية داخل القناة.
تتعلق القضية الأولى بتغطية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، إذ أشار التقرير إلى اتهامات بأن القناة لم تواجه الرواية التي قدمتها الحكومة السعودية بالقدر الكافي من التدقيق والتشكيك خلال المراحل الأولى من القضية.
أما القضية الثانية فتعود إلى عام 2017، عندما فُصل محرر الشؤون الاقتصادية في القناة مارون بدران، عقب بث تقرير تناول تدهور الأوضاع الاقتصادية في السعودية، وسط اتهامات بأن القرار جاء نتيجة ضغوط سياسية بعدما تسبب التقرير في توتر بين السعودية والإمارات.
وفي ردها على أوفكوم، قالت IMI إن فصل بدران جاء بسبب مخالفة التقرير للمعايير التحريرية، ولا سيما متطلبات التوازن وتقديم السياق المناسب والحصول على تعليقات الأطراف المعنية.
وتناولت القضية الثالثة تغطية القناة للتصريحات المنسوبة إلى أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في مايو 2017، والتي بثتها وكالة الأنباء القطرية قبل أن تعلن تعرض موقعها للاختراق ونشر تصريحات غير صحيحة.
وأشار تقرير أوفكوم إلى اتهامات باستمرار القناة في تغطية تلك التصريحات رغم إعلان الوكالة القطرية اختراقها، بينما ردت IMI بأن التأخر في نقل رواية الاختراق ارتبط بإجراءات التحقق الصحفي من قصة معقدة وحساسة شهدت تداول معلومات مضللة.
ولم تقدم أوفكوم هذه القضايا بوصفها مخالفات ثبتت جميعها بحق القناة، وإنما أدرجتها ضمن الاتهامات السابقة المتعلقة بالممارسات التحريرية للمؤسسات المرتبطة بالمستثمر الإماراتي، مع توثيق ردود المجموعة عليها.
صحيفة الرؤية: تقرير أسعار الوقود وفصل صحفيين
وفي حالة صحيفة “الرؤية” الإماراتية، استعرضت أوفكوم تحقيقًا سابقًا لوكالة “أسوشيتد برس” بشأن تداعيات نشر تقرير عن ارتفاع أسعار الوقود في الإمارات في يونيو 2022.
وبحسب التحقيق الذي استندت إليه الهيئة، حُذف التقرير من الموقع الإلكتروني للصحيفة، قبل أن يُعرض على 8 من العاملين فيها، بينهم محررون، الاختيار بين الاستقالة مع الحصول على مزايا إضافية أو إنهاء خدماتهم، على خلفية مشاركتهم في نشر المادة.
كما أشار التحقيق إلى إعلان حل الصحيفة في الشهر نفسه، تمهيدًا لإطلاق مشروع إعلامي جديد بالشراكة مع شبكة CNN.
وردت مجموعة IMI بأن إغلاق “الرؤية” كان مخططًا له مسبقًا ضمن التحضير لإطلاق منصة “CNN الاقتصادية”، وقدمت محاضر اجتماعات لمجلس الإدارة قالت إنها تدعم روايتها.
وأقرت المجموعة بمغادرة 7 موظفين في تلك الفترة، لكنها قالت إن ذلك جاء عقب إجراءات تأديبية تتعلق بتقرير إخباري تبين أنه خالف المعايير التحريرية المعتمدة.
ذا ناشونال: اتهامات بحجب أخبار غير مواتية للحكومة
وامتدت مراجعة أوفكوم إلى صحيفة “ذا ناشونال” الصادرة باللغة الإنجليزية في أبوظبي، حيث استعرض التقرير اتهامات سابقة بممارسة رقابة تحريرية على الأخبار التي قد تُظهر الحكومة الإماراتية بصورة سلبية.
ومن بين ما أورده التقرير تصريحات للصحفي السابق أوليفر جود، الذي تحدث عن تجاهل بعض الأخبار والفضائح غير المواتية للحكومة الإماراتية أو منحها تغطية محدودة.
وفي المقابل، سجلت أوفكوم عدم صدور قرارات بحق الصحيفة من المنظمة المستقلة لمعايير الصحافة البريطانية (IPSO)، مشيرة إلى أن نطاق مدونة المعايير التي تطبقها المنظمة يشمل دقة الأخبار، لكنه لا يغطي بالضرورة جميع المسائل المتعلقة بحرية التعبير عن الرأي.
وقالت مجموعة IMI في ردها إن الاتهامات المذكورة تعود إلى فترة سابقة على استحواذها على الصحيفة، ولذلك لا تستطيع تقديم تعليق موضوعي بشأنها.
هل اعتمدت أوفكوم على هذه الاتهامات؟
رغم المساحة التي خصصها التقرير لاستعراض هذه الوقائع، أوضحت الهيئة في الفقرة 6.85 أنها لم تكن بحاجة إلى الاعتماد على الاتهامات المتعلقة بالسلوك السابق للمؤسسات الإعلامية المرتبطة بـIMI للوصول إلى استنتاجاتها بشأن الدوافع المحتملة للتدخل التحريري.
وبررت ذلك بأهمية الحوافز السياسية للحكومة الإماراتية وسجلها السابق، وهو ما اعتبرته كافيًا لتأسيس مخاوفها بشأن احتمال التأثير في الخط التحريري لصحيفتي “التلغراف”.
كما أقرت الهيئة بأنها لم تجد أدلة على محاولة IMI التأثير في إدارة شركات أخرى استثمر فيها التحالف، لكنها لفتت إلى أن تلك الشركات تعمل في معظمها بمجالي الترفيه والرياضة، ولا تمثل مؤسسات إخبارية يمكن الاستناد إلى تجربتها في تقييم المخاطر التحريرية.
ضمانات الاستقلال التحريري
وخلال إجراءات التحقيق، قدم تحالف RedBird IMI مقترحات لحماية استقلال “التلغراف”، شملت تعهدات بعدم التدخل في القرارات التحريرية، وإنشاء مجلس أمناء مستقل يتمتع بصلاحيات تتعلق بتعيين رئيس التحرير وإقالته، والفصل في النزاعات التي قد تنشأ بين الإدارة التحريرية والمالك.
لكن أوفكوم أوضحت أنها لم تستكمل فحص فعالية تلك التعهدات، مشيرة إلى أن المعلومات المقدمة بشأن آليات تطبيقها كانت غير مكتملة، وأن مقترحات الأطراف المعنية شهدت تغييرات متكررة خلال عملية التقييم.
وأثارت الهيئة تساؤلات حول كيفية مراقبة الالتزام بهذه الضمانات، وإمكانية اكتشاف أي انتهاك لها، والجهة المخولة بإنفاذها، إضافة إلى مدى استقلال المستثمر الأمريكي عن المصالح الإماراتية.
وبالتالي، لم يصدر التقرير حكمًا نهائيًا بعدم جدوى الضمانات، لكنه اعتبر أن تقييمها كان يتطلب المزيد من الفحص قبل إمكان الاعتماد عليها لمعالجة المخاوف المتعلقة بالمصلحة العامة.
IMI ترفض التقرير وتتهم أوفكوم بالتحيز
في المقابل، رفضت مجموعة الاستثمارات الإعلامية الدولية الإماراتية (IMI) نتائج التقرير، معتبرة أن الهيئة البريطانية اعتمدت على افتراضات متحيزة بشأن صلات المجموعة بالحكومة الإماراتية، بدلًا من تقييم سجلها الفعلي في إدارة المؤسسات الإعلامية.
وقالت المجموعة إن أوفكوم لم تثبت وقوع أي تدخل منها في القرارات التحريرية، ولم تمنح الوزن الكافي للتعهدات القانونية التي قدمتها لحماية استقلال “التلغراف”، كما انتقدت تقييم شركة إعلامية تجارية استنادًا إلى قوانين وممارسات دولة أخرى.
وأكدت IMI أنها لم تتدخل في الاستقلال التحريري لمؤسساتها الإعلامية، ولن تفعل ذلك مستقبلًا، مشددة على أن الاتهامات لا تعادل نتائج مثبتة، وأن الارتباط بمؤسسات الحكم لا يعني بالضرورة السيطرة على القرارات التحريرية.
تقرير متأخر وصفقة لم تكتمل
كان تحالف RedBird IMI قد سعى للاستحواذ على مجموعة “التلغراف” في عام 2023، قبل أن تواجه الصفقة اعتراضات سياسية وإعلامية واسعة في بريطانيا، دفعت السلطات إلى مراجعة آثارها المحتملة على حرية الصحافة.
وانتهت محاولة الاستحواذ دون اكتمالها، وأقر البرلمان البريطاني لاحقًا قيودًا على ملكية الدول الأجنبية للصحف البريطانية، فيما انتقلت المجموعة إلى مسار استحواذ جديد تقوده شركة “أكسل شبرينغر” الألمانية.
ويعيد نشر تقرير أوفكوم، بعد أكثر من عامين ونصف العام على إعداده، النقاش حول العلاقة بين ملكية المؤسسات الإعلامية واستقلال قراراتها التحريرية، ومدى قدرة الضمانات القانونية والإدارية على حماية الصحفيين عندما ترتبط مصالح المالكين بدول وحكومات ذات نفوذ سياسي واقتصادي واسع.

