صحافة المنفى: غرف أخبار خارج البلاد ومصادر تحت الخطر في الداخل

صحافة المنفى: غرف أخبار في الخارج ومصادر تحت الخطر في الداخل

Author

  • منصة بحثية وتحليلية مستقلة، متخصصة في رصد أداء الإعلام العربي وتحليل سياساته ومحتواه، بهدف تعزيز الشفافية وكشف الحقائق للجمهور

كان مراسل لشبكة “عاين” في دارفور يرسل قصصًا حصرية أسبوعيًا، قبل أن تتراجع مساهماته إلى نحو قصة واحدة في الشهر، فالوصول إلى الإنترنت لإرسال المادة أصبح يمر عبر مقاهٍ تخضع لمراقبة مخبرين وعناصر من قوات الدعم السريع، بحسب مدير تحرير الشبكة توم رودس، الذي أوضح لمعهد رويترز في نوفمبر 2025 أن بعض القصص لا تصل إلى النشر أصلًا بسبب المخاطر.

تختصر هذه التجربة جانبًا من معضلة الصحافة التي تُدار من الخارج وتعتمد على عاملين ومصادر في الداخل، فقد يستطيع المحرر العمل بعيدًا عن موقع الخطر، بينما يظل الحصول على المعلومة ونقلها مرتبطين بسلامة شخص يعيش تحت المراقبة أو وسط القتال.

وفي السودان، دفعت الحرب مؤسسات صحفية إلى إعادة تنظيم عملها عبر الحدود، ووثقت “مراسلون بلا حدود” في أبريل 2025 مغادرة ما لا يقل عن 431 صحفيًا إلى دول مجاورة، وتأسيس أو استمرار عمل عشر وسائل إعلام على الأقل من المنفى منذ اندلاع الحرب، وتوزعت فرق تحرير بين بلدان عدة، فيما حلّت مجموعات التواصل محل اجتماعات غرفة الأخبار.

وتتقاطع هذه الظروف مع أسئلة طرحتها الشبكة العالمية للصحافة الاستقصائية استنادًا إلى تجربتَي قناة “آمو” الأفغانية و”كشمير تايمز”: كيف تتحقق المؤسسة من أحداث لا يشاهدها محرروها؟ وكيف تحمي من ينقلونها؟ وكيف تحافظ على ثقة جمهورها؟

الخروج من البلاد لا ينقل غرفة الأخبار كلها إلى الأمان

في التجربة السودانية، يصف تقرير “مراسلون بلا حدود” فرقًا أعادت بناء عملها من القاهرة وكمبالا ونيروبي وغيرها، مع استمرار اعتمادها على مراسلين داخل السودان، ونقل عن مؤسس موقع “استقصائي”، شوقي عبد العظيم، أن مراسليه فقدوا وظائفهم ومنازلهم وأصبحوا قلقين على سلامتهم.

وتظهر علاقة مشابهة بين الداخل والخارج في تجربة الإعلام اليمني، فقد وثقت لجنة حماية الصحفيين في يونيو 2021 عمل صحفيين ومؤسسات من المنفى، ونقلت عن مدير قناة “بلقيس” آنذاك استمرار وجود مراسلين داخل اليمن يواجهون إغلاق الطرق وتغير خطوط المواجهة وصعوبات إرسال المواد وانقطاع الشبكات.

وتوضح هذه الشهادات أن وجود مقر أو إدارة تحرير في الخارج لا يعني انتهاء العمل الميداني، بل يجعل المؤسسة مسؤولة عن إدارة علاقة تتفاوت فيها المخاطر، فالمحرر الذي يطلب متابعة خبر قد لا يواجه الظروف نفسها التي يواجهها الصحفي المكلف بجمعه.

المعلومة تصل سريعًا والتحقق يحتاج إلى وقت

حين يتعذر الوصول المباشر إلى الحدث، يعتمد المحررون على المراسلين المستقلين والمصادر المحلية والوثائق والصور والفيديوهات، ويصبح عليهم اختبار كل عنصر قبل بناء الرواية، خصوصًا حين تتعدد الجهات التي تنقل خبرًا واحدًا من دون أن تكون لديها مصادر مستقلة.

ويقول سيار سيرات، رئيس التحرير الرقمي في “آمو”، إن كثرة المعلومات الواردة لا تعني صحتها، ويستعيد واقعة أمنية في كابول نشرت خلالها وسائل إعلام أرقامًا للضحايا تجاوزت 50 شخصًا، بينما انتظرت القناة حتى يتمكن فريقها من التحقق بصورة مستقلة.

وبحسب روايته، جاءت الأرقام التي أكدها مراقبون دوليون لاحقًا متوافقة مع تقديرات القناة وأقل من الأرقام المتداولة أولًا، ولا تحدد المادة تاريخ الواقعة أو أسماء المراقبين، فتظل مثالًا يرويه سيرات لتفسير سياسة المؤسسة في النشر.

وتقول أنورادها بهاسين، مديرة تحرير “كشمير تايمز”، إن الأخبار الواردة من مصدر واحد تحتاج إلى التحقق لدى مصادر أخرى، وإن المؤسسة تستطيع الانتظار حتى تستكمل الفحص، بدلًا من إعطاء الأولوية للسبق.

وتفيد هذه الممارسة المؤسسات العربية التي تعتمد على تغطية عن بُعد، مع مراعاة ظروف كل حالة، فتكرار المعلومة في حسابات ومنصات عدة لا يجعلها مؤكدة إذا كانت تعود جميعًا إلى شاهد واحد أو بيان لم يُفحص.

حماية الاسم لا تعفي من تدقيق الرواية

وسّعت “كشمير تايمز” استخدام الأسماء المحجوبة لحماية صحفييها ومصادرها مع تصاعد الضغوط والمراقبة بعد إلغاء الوضع الخاص لكشمير عام 2019، بحسب بهاسين، لكنها تشدد على أن إخفاء الهوية يحمّل المحررين مسؤولية أكبر عن فحص المعلومة، لأن الجمهور لا يستطيع تقييم موقع المصدر ومدى معرفته بالحدث.

وفي “آمو”، يصف سيرات ترتيبات لحماية بعض المتعاونين داخل أفغانستان تصل إلى عدم معرفة المحررين دائمًا أسماءهم الحقيقية، وهي ممارسة تخص ظروف المؤسسة، وتبرز صعوبة الجمع بين تقليل انكشاف الصحفي والتحقق من المعلومات التي يقدمها.

وتبدأ مسؤولية الحماية قبل النشر، إذ ترى بهاسين أن على المحرر شرح المخاطر للصحفي، خصوصًا الأقل خبرة، والتأكد من فهمه لها ومناقشة ما يرغب في القيام به قبل تكليفه بموضوع حساس.

وبالنسبة إلى غرفة أخبار تعمل من الخارج، يطرح ذلك سؤالًا عن مدى معرفتها بالظروف الفعلية للمراسل، وقدرته على الحركة والتواصل، وما إذا كان تنفيذ التكليف سيكشف نشاطه أو صلته بالمؤسسة.

قد تكون القصة صحيحة ونشرها غير آمن

تلتقي تجربة “عاين” السودانية مع شهادة “آمو” عند نقطة تتجاوز صحة المعلومات، ففي الأولى قد يمنع خطر إرسال المادة وصولها إلى المحررين، وفي الثانية يقول سيرات إن القناة تخلت عن قصص عديدة لحماية مصادرها وزملائها.

وهنا يتعين على المؤسسة تقييم كلفة النشر على الأشخاص المعنيين، فقد تكشف تفاصيل المكان أو طبيعة الواقعة هوية المصدر حتى مع حذف اسمه، وقد يؤدي ظهور معلومة لا يعرفها إلا عدد محدود من الناس إلى توجيه الشكوك نحوه.

ويصبح قرار التأجيل أو الاستبعاد جزءًا من المسؤولية التحريرية، مع ضرورة أن يناقشه من يعرفون المخاطر الميدانية، وألا يُترك للمراسل وحده تحت ضغط إنجاز القصة.

المصداقية تحتاج إلى شرح حدود التغطية

تضع المسافة بين غرفة الأخبار وموضوع تغطيتها عبئًا إضافيًا على الثقة، فالمؤسسة تحتاج إلى توضيح كيف عرفت، وما الذي استطاعت التحقق منه، وما بقي خارج قدرتها على الفحص.

ويربط سيرات علاقة “آمو” بجمهورها بالسجل المهني للعاملين فيها وبالحفاظ على الثقة التي اكتسبوها، بينما تؤكد بهاسين أن التدقيق لا يمنع وقوع الخطأ دائمًا، ولذلك تصحح “كشمير تايمز” أخطاءها وتعلنها للقراء.

وتشمل هذه الشفافية الفصل بين شهادات المصادر والوقائع التي أمكن إثباتها، وعدم تقديم الرواية المنقولة بوصفها مشاهدة مباشرة، أو الادعاء باستقلال مصادر متعددة بينما تعتمد كلها على أصل واحد.

في صحافة المنفى، تتصل هذه المعايير بحماية شبكة العمل نفسها، فالمصدر يحتاج إلى الثقة في أن المؤسسة لن تكشفه، والمراسل يحتاج إلى معرفة أن سلامته تدخل في قرار التكليف، والجمهور يحتاج إلى فهم الأساس الذي بُني عليه الخبر، حتى حين يضطر المحرر إلى الانتظار أو الامتناع عن النشر.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي